الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
188
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والسماوات : هنا هي مدارات بمعنى الكواكب فإن لكل كوكب مدارا قد يكون هو سماءه . وقوله : سَبْعَ سَماواتٍ يجوز أن يكون وصف سَبْعَ معلوما للمخاطبين من قوم نوح ، أو من أمة الدعوة الإسلامية بأن يكونوا علموا ذلك من قبل ؛ فيكون مما شمله فعل أَ لَمْ تَرَوْا . ويجوز أن يكون تعليما للمخاطبين على طريقة الإدماج ، ولعلهم كانوا سلفا للكلدانيين في ذلك . و طِباقاً : بعضها أعلى من بعض ، وذلك يقتضي أنها منفصل بعضها عن بعض وأن بعضها أعلى من بعض سواء كانت متماسّة أو كان بينها ما يسمى بالخلاء . وقوله : وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً صالح لاعتبار القمر من السماوات ، أي الكواكب على الاصطلاح القديم المبني على المشاهدة ، لأن ظرفية ( في ) تكون لوقوع المحوي في حاوية مثل الوعاء ، وتكون لوقوع الشيء بين جماعته ، كما في حديث الشفاعة « وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها » ، وقول النميري : تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت * به زينب في نسوة خفرات و الْقَمَرَ كائن في السماء المماسة للأرض وهي المسماة بالسماء الدنيا ، واللّه أعلم بأبعادها . وقوله : وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً هو بتقدير : وجعل الشمس فيهن سراجا ، والشمس من الكواكب . والإخبار عن القمر بأنه نور مبالغة في وصفه بالإنارة بمنزلة الوصف بالمصدر . والقمر ينير ضوؤه الأرض إنارة مفيدة بخلاف غيره من نجوم الليل فإن إنارتها لا تجدي البشر . والسراج : المصباح الزاهر نوره الذي يوقد بفتيلة في الزيت يضيء التهابها المعدّل بمقدار بقاء مادة الزيت تغمرها . والإخبار به عن الشمس من التشبيه البليغ وهو تشبيه ، والقصد منه تقريب المشبه من إدراك السامع ، فإن السراج كان أقصى ما يستضاء به في الليل وقلّ من العرب من يتخذه وإنما كانوا يرونه في أديرة الرهبان أو قصور الملوك وأضرابهم ، قال امرؤ القيس : يضي سناه أو مصابيح راهب * أمال الذّبال بالسليط المفتل